Sunday, January 15, 2006

يوم في عيادة التخسيس



يوم في وسط البلد

في يوم من أيام شهر يناير ولا أذكر في أي عام!! يومها كان الصراع على أشده داخلي بين الرغبة في الجلوس في البيت ومحاولات الاغراءات الغذائية التي تقوم بها أمي ومشاهدة فيلم باب الحديد على قناة الايه أر تي (ART) فانا من مشتركيها ولست من مغتصبي حقوق الفن والابداع العلامي كما يقول العلامة الجليل (الروش طحن) عمرو خالد فهذا الفيلم يتحدث بلغة سينمائية تجعلني كلما شاهدت الفيلم أشعر بالتعاطف مع مخرجه يوسف شاهين لما تعرض له الفيلم من فشل ذريع والنتيجة تحطيم جمهور الصالة دار العرض فى الحفلة الصباحية بعد عشرين دقيقة فقط من بداية العرض وخروجه ساخطا وقت عرضه عام 1958 وبين ان أذهب إلى وسط البلد وفي النهاية حسم الصراع لصالح وسط البلد...كان يوم ممتلىء بالغيوم كأن السماء على وشك الإعلان عن ثورة امطار تقودها كتائب من السحب الجاهزة للإنقضاض على رؤؤس المارة في توقيت مفاجىء لا يعرفه أحد فقد قررت ان أشاهد شرارة هذه الثورة بدلا من الهروب والاحتماء بأي مكان ولنقل إلى السينما منتظرا نجاح أو فشل هذه الثورة.ولا أدري أيضا لماذا الإصرار على ركوب تاكسي في هذا اليوم غامض الطقس وكانت عقارب الساعة على مشارف الساعة الثانية ظهرا فأنا بصفة عامة ركوب السيارة دائما يمثل لي نزهة خاصة متوقفا على نوع السيارة فدائما أفضل ركوب التاكسي البيجو أوشاهين فغالبية سائقي هذه النوعية من التاكسيات مهرة في القيادة بالإضافة إلى ذلك لا أميل للدخول إلى مناقشات جانبية مع السائق فهو دائما لديه حالة من التحفز لإطلاق العنان للسانه لكي يحكي مع الراكب تجاربه وخبراته الحياتية غير المسبوقة وبالفعل بعد مرور وقت غير قصير من محاولة إيقاف تاكسي نجحت إحدى محاولاتي وقد تعالت صيحات الدهشة يومها لأن مواصفات السائق والتاكسي جاءت كما ينبغي فالسيارة نظيفة وجديدة من النوع شاهين والسائق من النوع الهادىء مختلفاً عن أقرانه أصحاب الخبرات الحياتية كما ذكرت من قبل....وبالفعل وصلت إلى وسط البلد على ناصية شارع طلعت حرب (سليمان باشا سابقاً) وشكرت السائق ونفحته مبلغ من المال يزيد عن حسابه مكافأة له عن صمته طوال الطريق. نظرت من حولي ثم وقفت لحظات أتأمل كل شىء وسط البلد بأنبيتها ذات الطابع المعماري الاوروبي، دار القضاء العالي هذا المبني الشاهق ببنيانه وبشكله المميز الذي يبعث على النفس إحساس من الرهبة الذي لا أعلم لماذا تحول في الفترة الأخيرة إلى ملاذ تنشط به المظاهرات حيث أصبح رواد المظاهرات من لا عمل لهم نفر من الناس دأب على الاعتراض والتذمر من كل شىء فأنا أري أنهم مجموعة فشلت في إثبات ذاتها بالبحث عن العمل وتحولوا إلى إناس تبحث عن مجد زائف عندما تشعر بأنها اشتركت في مظاهرة حتى مشهد المظاهرة اختلف عن ما مضى أصبحت أشاهد فتيات في مقتبل العمر بملابس لا تصلح للمظاهرة والتجمهر بل تصلح لأماكن أخرى لاداعي لذكرها الان فهي حقا اشتركت ولكنها اشتركت في زفة مثلها مثل راقصات شارع محمد على حتى أنى في كثير من الاوقات أراهن نفسي في أني لو تقدمت على واحدة من اللاتي يتظاهرن وسألتها من هو رئيس وزراء مصر ستجيب وتقول (هو مافيش إختيارات!!)لا أدري لماذا تخطو بي قدماي إلى شارع طلعت حرب ما سبب حب وعشق خطواتي للسير فيه هل لذكريات قديمة تربطني به او لطبيعة مرتادي هذا الشارع ، أو لرائحة الماضي الجميل التي تنبعث بين جنباته ولن أقف كثيرا لمعرفة السبب لكن في النهاية هي حالة من الارتياح النفسي أشعر بها.-بمجرد ان بدات السير بجوار محل الأمريكين بدأ هطول الأمطار خفيفاً يبعث في النفس الانشراح والسرور بعدها اشتد هطول المطر وبدأ الناس في الإسراع ومحاولة الاختفاء ... هرباً من المطر ..!أخذت ناحية الطريق وفتحت مظلتي وأخذت أرقب حركة الناس....كان هتاف السماء للسحب مستمراً بإطلاق عنانها للمزيد والمزيد من الامطار تزامن هذا الهتاف مع الحركة العشوائية للمارة الكل يحاول الاختباء والاحتماء بطريقته الخاصة فهناك من اختار ممر أحد محلات الملابس الجاهزة الشهيرة للوقوف بها ممنيين انفسهم بأن تعقد صفقة في السماء تسمح للشمس بمقتضاها الظهور مرة أخرى ليكون ذلك إيذانا بوقوف ثورة السماء وهناك مجموعة أخرى تبدو على ملامحهم بانهم ايسر حالا مجموعة ممر محل الملابس الجاهزة قد اختاروا طريقة أخرى في الاختباء والاحتماء فقد أسرعوا في إتجاهين الاتجاه الاول ناحية محل الامريكين أحد علامات الشارع البارزة والذي وقف خلالها شاهدا على العديد من الاحداث الثقافية والاجتماعية والسياسية التي حدثت في الخمسون عاما الماضية، والاتجاه الثاني اسرع نحو أحد محلات الوجبات السريعة الامريكية الاوسع والاكثر إنتشارا حول العالم وكأنها نوع من أنواع فرض الوصاية الغذائية، اما قدماي فلا أدري لماذا أسرعت نحو سينما ميامي كأي احتمي بمظلتها الكبيرة فقد كانت تعرض في ذلك الوقت تحفة المخرج أسامة فوزي السينمائية بحب السيما وكأن أسامة قد أجاب بعنوان الفيلم سر تقدم خطواتي ناحية السينما، وقفت بجانبي فتاة أزعم انها في الخامسة والثلاثين من عمرها لا أدري لماذا عندما وقع بصري عليها منذ اللحظة الاولي تذكرت على الفور قصيدة كانت قد شدت بها المطربة التي احترمت نفسها فأحترمها جمهورهافنانتي المفضلة والتي تدرك جيدا وتعرف الطريق نحو إصابتي بحالة من توهج المشاعر إنها ماجدة الرومي وكانت تقول في مطلع القصيدةسمراء كالليل السهران وكطلت بنت السلطانفكانت ملامح هذه الفتاة تقول أنها مصرية بحق فهي ليست كبعض قريناتها في هذه الايام التي عبثت أيدى مراكز التجميل اللعينة بوجوه عدد ليس قليل منهم بوجوهم لدرجة أني لم أعد أشعر بأني سوف أجد ملامح فتاة مصرية خالصة ولن أمضي قدما في وصفها والتغزل في ملامحها فكما ذكرت كل ما استدعى انتباهي وتركيزي هو ملامحها المصرية وعيناها التي كادت ان تصرخ وتخاطبها أطلقي العنان للدموع فلم نعد نستطيع الصمود امام حزنك المكتوم بداخلك وفجاة سمعت صوت رنين هاتفها المحمول . أذكر أني ظللت أعاتب نفسي كثيرا فكم من مصائب تحدث والسبب هو الفضولز فقد تلصصت خطواتي رويدا رويدا لأسمع مكالماتها وعندما اقتربت كانت عيناها قد انهارت مقاومتها أمام حزنها وبدات تدمع سمعت صوتا رقيقا منهكا من كتم البكاء وهي تقول في عبارة ظلت حتى كتابة هذه السطور عالقة في ذهني وهي (أيامه في الدنيا خلاص معدودة مش عارفة اواجه إزاي ) كان قلبي يعتصر وهى تنطف هذه الكلمات القصيرة ولكن في هذه اللحظة كنت قد أنتصرت على فضولي فقررت أن أمضي في طريقي غير عابئاً بما ينهال على رأسي من حبات المطر الثقيلة فكان صوت الفتاة هو ما اشعر به فقط وظل عالقا في ذهنيكان هدفي هو البحث عن كشك لبيع السجائر فقد أكتشفت أن سجائري قد نفذت وجدت أمام السينما على الجانب الاخر كشك صغير تقف به أمرأة غليظة الملامح أزعم أنها في الاربعين من عمرها تلبس عباءة سوداء تكشف بشكل متعمد عن حزء صغير من نهديها وشعرها المصبوغ بلون أصفر تكسو ملامحها مجموعة من مساحيق التجميل تبعث حالة من الاشمئزاز بمجرد وقوع النظر إليها ويداها مثقلة بعدد لا بأس به من السوار الذهبية عندها كانت تخاطب شخص عرفت فيما بعد من مغزي الحوار انه صاحب إحدى محلات إكسسوار الهاتف المحمول تلك المهنة التي أصبح يمتهنها من لا مهنة له وهى تقول له (أيه ياواد فين رنة نانسي عجرم اللي قولتلي عليها عاوزك تضبطهالي على الموبايل أبو كاميرا الجديد) ولا أدري أن بيع السجائر مربح بهذا الشكل على اية حال فقد طلبت نوع سجائري ودفعت الثمن.فأبتسمت ساخرا وأكملت سيري ...فجأة وأثناء سيري شعرت بان رائحة حلويات شرقية قد أدركت طريقها إلى أنفي لا تندهشوا فكيف تهبط قدماي شارع سليمان باشا ولا أقوم بزيارة رسمية إلى إحدى قلاع صناعة الحلويات في هذا الشارع (محلات قويدر) لم أفكر كثيرا فزيارتي دائما متعددة في هذه اللحظة قررت أن أكافأ نفسي على انتصارها على فضولي بطبق من بلح الشام الذي تكسو جنباته القشدة الطازجة وعندما دخلت المحل فملامحه ثابتة لا تتغير منذ سنين ماضية فأتجهت مباشرة إلى فتاة الكاشير تلك الفتاة التي تتمتع بقدر قليل من الجمال فهى لا تتحدث مع احد ولا تبتسم يداها عندما تلتقط النقود من الزبائن أشعر وكأنها مثل ماكينة الكاشير فدفعت ثمن الحلويات وعلى الفور احتجزت مبلغ خمسون قرشا كأي أكافأ بها عامل المحل ليمنحني المزيد من القشدة وبعد أن فرغت من صراعي المحسوم دائما لصالحي بالقضاء على محتويات الطبق أسرعت بإثلاج صدري بكوب من الماء المثلج داخل المحل فمكان الماء أيضا لا يتغير أيضا منذ سنيين ماضية. واثناء لحظة خروجى من المحل سمعت عامل ينادي على فتاة الكاشير بصوت يائس من عدم إنتباهها له وعندها همس له صاحبه يقول له (أنت بتدن في مالطا) وخرجت من المحلفأبتسمت ساخرا وأكملت سيري ...نظرت إلى السماء فوجدت أن الامطار قد هدات قليلا وبدأت أسير بخطوات هادئة انظر إلى كل شىء من حولي إلى أن فجأة تسمرت قدماي وحدقت عيناي فقد وقع بصري على لافته مكتوب بها 34 شارع طلعت حرب عمارة يعقوبيان كنت أمر كثيرا بجانبها مرور الكرام لا أعرف ماهي عمارة يعقوبيان عندما تذكرت يوم أن أوعظ مديري في العمل بقراءة رواية للكاتب علاء الاسواني فكانت بحق درة مؤلفاته فهي بإختصار ليست مجرد مجرد بناية في أشهر شوارع وسط البلد ولكنها تعتبر شاهدة بسكانها على فترة تحول سياسي واجتماعي وثقافي في فترة ما قبل ومابعد الثورة من خلال ابراز التحولات التي حدثت لقاطني هذا العقار، وعندما رفعت رأسي إلى أعلى لكي أشاهد البناية جال بخاطري على الفور تفاصيل الرواية حتى ظننت ان عيني سترى طه ابن بواب العمارة وزكي بيه الدسوقى فهم من أبطال الرواية.فأبتسمت ساخرا وأكملت سيري ...كانت نظراتي موزعة بين متابعة تفاصيل الوجوه وبين متابعة واجهات محلات الملابس الجاهزة وفجأة أحسست أني الوحيد الذي يسير بالشارع فقد أحتبست أنفاس الناس تماما و تعلقت أنظارهم جمعياً إلى سيارة تشق الطريق بسرعة كبيرة وهدأت آلات التنبيه اللعينة فكانت تمر في هذه اللحظة سيارة الترحيلات بشكلها المعهود تطل من نوافذها وجوه تكسوها ملامح الحماس بنداء الله أكبر الله أكبر الله أكبر وفي أيديهم المصحف الشريف هل هو نداء العبد لربه أما هو نداء لمغازلة مشاعر الناس وإستمالة قلوبهم في هذه اللحظة حاصرتني ثلاثة أسئلة في توقيت واحد من وراءهم؟ ما هدفهم؟ وماذا لو تحقق هدفهم؟ ولما أحسست بصعوبة الاجابة على هذه الاسئلة.فأبتسمت ساخرا وأكملت سيري ...غريب أمر النساء فهن دائما لا يمنحن ألسنتهن استخدام خاصية الصمت أو التحدث بذكاء ومن يدري ربما تطرحها إحدى شركات المحمول قريبا كخاصية للنساء فقط فأمام إحدى المراكز التجارية حديثة النشأة بطرازها المعمارى الفاقد لأي هوية غير أنه مجموعة من المحال المتراصة بجانب بعضها البعض دون مراعاة اي ذوق أو فن هندسي يعبر عن هوية في هذه اللحظة سمعت نقاش يدور بين رجل وأمراة وعلى يديها طفل يطل بوجهه البرىء في يوم مثل يومنا هذا تكسوه علامة البرد والمطر وعلى ملامح وجهه كلمة (هو في ايه) فكان يدور النقاش حول ( اشمعنا انا جيت معاك عند مامتك وأنت مش عاوز تيجي معايا عند مامتي ابتسم الرجل ابتسامة تدل على عقل ووعي وقال وفيها ايه النهارده خرجنا عند ماما واتفسحنا في وسط البلد وأكلنا حاجة حلوة كفاية ونخلي مامتك يوم تاني لم يعجب صاحبة العزة حرمه المصون ذلك الرد العاقل فكانت لدي سيادتها علم بأن اليوم كان اخر يوم في الدنيا وقالت له ومش كفاية مامتك قعدت تتضايقني بكلامها وتقولي مش مدفية الولد كويس ليه في يوم برد زي ده وهي يعني تتدخل ليه في حياتنا كل واحد حر أنزل وقت ما يعجبني رد عليها الزوج وقال لها عندك حق ماما غلطانة احنا كنا لازم نلبس الولد مايوه ونجيبله ايس كريم في يناير ).فأبتسمت ساخرا وأكملت سيري